من الدولة القومية إلى الدولة الشركة

شكل الإصلاح الديني في أوربا خلال القرن السادس عشر بزوغ طائفة البروتستانت، التي خالفت الكاثوليك في العديد من الممارسات، لعل أبرزها أن يسوع المسيح هو الذي يتربع على عرش الكنيسة و ليس البابا، و ثانيها أن مصدر التشريع هو الكتاب المقدس و ليس ما يقوله البابا. و قد ترتب عن هذا الخلاف صراعا دينيا بين الطائفتين، دام سنوات طوال مخلفا خسائر مادية و بشرية جسيمة.
لقد أجبرت هذه الخسائر الدول الأوربية على قبول الاختلاف و تجاوز الحروب التي أفرغت خزينة الأموال و فيالق الأرواح. وعلى الجلوس إلى طاولة المفاوضات التي جرى تنظيمها سنة 1648م بمنطقة وستفاليا بألمانيا. ومنذئذ عُرفت بمعاهدة وستفاليا.

بعض بنود معاهدة وستفاليا


تمكنت الدول الأوربية، بفضل معاهدة وستفاليا، من إنهاء حروب الثلاثين سنة (1618-1648). ومن إنهاء الصراع الديني بين الكاثوليك و البروتستانت، و قد تضمنت المعاهدة عدة بنود منها:


إقرار المذهب البروتستانتي كعقيدة معترف بها إلى جانب الكاثوليكية.
إضعاف الإمبراطورية الرومانية المقدّسة التي لم تعد تملك سلطة مركزية تستطيع بها سن القوانين وفرض الضرائب وتجنيد الجيوش.
إقرار مبدأ المساواة والسيادة في تعامل الدول مع بعضها البعض. مع اعتماد التمثيل الدبلوماسي ومبدأ التوازن الدولي.


وبذلك كانت معاهدة وستفاليا الأساس الذي بنيت عليه الدولة القومية، و التي تعتبرها الأدبيات السياسية كيانا سياسيا يتأسس على السلطة التي تمنح السيادة للحاكم، و على شعب يتميز بهوية ثقافية قومية مشتركة(تاريخ، لغة، دين)، و على إقليم جغرافي بحدود واضحة.
لقد تضافرت هذه العناصر الثلاثة فأفرزت مفهوم الوطن الذي تعزز بواسطة الإرادة الشعبية التي، عن طريق الانتخابات، منحت السلطة لحاكم تختاره و تحاسبه على اختياراته. و بذلك أصبح الولاء للوطن وليس الإقطاع أو الكنيسة. لقد ساهمت، إذن، معاهدة وستفاليا في نقل الإنسان الأوربي من مجرد عبئ على النبلاء إلى فاعل أساسي في بناء الوطن. بحيث صار مواطنا يحظى باحترام الحاكم، و يتمتع بالحقوق و يستفيد من الحماية المؤسساتية و القانونية

تطور الدولة القومية

عرفت الدولة القومية تطورا كبيرا خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. حيث ساهمت الثورة الصناعية في الإجهاز على ما تبقى من الإقطاع. حيث “فرض هذا التحول السياسي الكبير على الصعيد الاجتماعي، من الاقتصاد في خدمة سلطان الحكم الإلهي وعصبيات أمراء القلاع، إلى السلطة في خدمة الصناعة والإنتاج والتسويق” .(النقلات الحضارية الكبرى، مصطفى حجازي، ص 10). كما أدى كل هذا التحول إلى نشأة “الحداثة بكل مقوماتها المعروفة لخدمة هذا المشروع الإنتاجي الكبير:. الدولةـ الوطن، المواطن، الديمقراطية التمثيلية، الحرية الفردية وسواها من مكونات”. (مصطفى حجازي، مرجع سابق، ص 10).


لقد ألهمت التجربة الأوربية أغلب دول العالم، التي اختارت تنزيل مقتضيات الدولة القومية وإن بدرجات متفاوتة. لكن ما أصبح عليه العالم مع مطلع الألفية الثالثة غير الكثير مما قامت عليه الدولة القومية. حيث لم تعد السلطة الفعلية في يد الحاكم فقط، الذي يرعى الأمانة التي منحه إياها الشعب. بل أصبحت في يد العديد من الشركات التي أصبحت عابرة للقارات. لقد استفادت هذه الشركات من الأفكار النيوليبرالية التي ازدهرت منذ النصف الثاني من القرن العشرين مع ميلتون فريدمان و باقي رواد مدرسة شيكاغو، الذين قالوا بضرورة تخلي الدولة عن الخدمات الاجتماعية. لأن الدولة القومية تضمن هذه الخدمات وتمولها من الضرائب التي تفرضها على الشركات الكبرى.

وقد أدى هذا الصراع الخفي “إلى إضعاف الدولة في الغرب. لأنها أصبحت غير قادرة على الإيفاء بالتزاماتها الاجتماعية تجاه مواطنيها والتي اعتادت على تقديمها خلال العقود الماضية. لقد أصبحت الشركات متعددة الجنسيات تمتلك سلطات أوسع من الدول، وأصبح الزعماء السياسيون مجرد واجهة لعمالقة الاقتصاد”.

مفهوم الدولة الشركة

إذن، بتغول الشركات متعددة الجنسيات فقدت الدولة القومية الكثير من سلطتها لصالح الدولة الشركة، فما دلالة هذا المفهوم؟ وما المرتكزات التي يقوم عليها؟
لقد أدى تآكل سلطة الدولة القومية وتراجع وظائفها السوسيو اقتصادية إلى تنامي سلطة الشركات التي أنشأت كيانا سياسيا واقتصاديا جديدا بات يعرف ب”الدولة الشركة” التي أصبحت تتعامل مع الدولة بمنطق الشركة الخاصة، حيث الفرد لم يعد مواطنا يتمتع بحقوق تكفلها الدولة القومية، بل مستهلكا يجب أن يدفع لكي يحصل على ما يريد. كما أن الخدمات الاجتماعية التي كانت مكفولة بقوة الدستور قد تم تسليعها. ولا بد للزبون أن يدفع لكي يحصل على ما كان حقا له سابقا.


لنأخذ مثلا قطاع السكن، فقد “بلغت أسعار المساكن في العام 2023 نحو 12 ضعف الدخل العالمي للأسرة، بزيادة قدرها 23% مقارنة بعام 2010. وتنفق 44% من الأسر على مستوى العالم أكثر من 30% من دخلها على الإيجار.” فالدولة الشركة لم تعد تهمها راحة المواطن، ورفعت يدها عن توفير السكن اللائق. مما أجبر المواطن على تخصيص حصة كبيرة من راتبه أو مداخيله للسكن، لأن الأسعار مرتفعة. ولا يقتصر تفسير هذه الظاهرة على ارتفاع تكاليف البناء والنمو السكاني المتسارع فحسب. بل في التراجع التدريجي لدور الدولة في توفير السكن والتخطيط العمراني. فعلى مدى عقود، تخلّت الحكومات تدريجيا عن فكرة أن السكن حق اجتماعي، وبدأت تتعامل معه بشكل متزايد كسلعة تخضع لمنطق السوق.

خطورة الدولة الشركة

كما أن الدولة الشركة مع تقدم السنوات، سعت جاهدة لسحب البساط من تحت قدمي الدولة القومية من خلال تشجيع الخوصصة و تفويت الكثير من الخدمات للقطاع الخاص. حتى إن بعض الزعماء الغربيين قد انقلبوا على مرجعيات الدولة القومية، مثل مارغريت تاتشر التي عملت سنة 1979 على:. “سحق النقابات العمالية و تخفيض الضرائب على رأس المال، وكان شعارها «لا بديل» ذاهبة إلى حد القول بأنه «لا يوجد شيء اسمه المجتمع، إذ لا يوجد سوى أفراد نساء ورجالا». و سار ريغن على خطاها سنة 1980، إذ هاجم بعنف النقابات العمالية، وخفض الضرائب عن الشركات الكبرى والأغنياء بشكل بالغ، وبالتالي أصبحت الليبرالية الجديدة مع هذا الثنائي هي سياسة الدولة”. (حجازي، مرجع سابق، ص 183).


فالدولة الشركة تتعامل مع مؤسسات الدولة و مرافقها بمنطق السوق لا بمنطق الدستور مثلما تفعل الدولة القومية. لذلك، قام الساهرون على تلك الشركات بإنشاء مؤسسات جديدة مثل البنك الدولي، صندوق النقد الدولي، المنظمة العالمية للتجارة، حتى يتسنى لها اختراق الدول و التحكم في مرافقها. ومن ثم السيطرة على مواردها و خيراتها، من خلال الديون و حرية التجارة.

فالاستراتيجية البعيدة التي تهدف إليها قوى النيوليبرالية؛ هي النفاذ المباشر لأسواق ومجتمعات دول العالم، وإزاحة كل حماية توفرها الدول لمجتمعاتها. ووفق هذه الرؤية، أصبحت الدولة عائقا يجب التخلص منه؛ من أجل الاستفراد بالمجتمعات وأسواقها… [و] لم تكتفِ القوى العولمية النيوليبرالية بهذه الإجراءات المتمثلة بسحب البساط من تحت أقدام الدول ووضعها في موقف حرج أمام مواطنيها، بل عمدت إلى تجفيف واردات هذه الدول عن طريق هجرة مراكز التصنيع الرئيسية في الغرب والارتحال نحو الأطراف، حيث الأجور الأقل والضرائب شبه معدومة… وقد بدأ عمالقة الاقتصاد الرأسمالي بالتنصل من الالتزامات الاجتماعية وشنوا حملة تشنيع على دولة الرعاية الاجتماعية في الغرب؛ بحجة أنها خلقت جيشا من العاطلين والمتواكلين على مخصصات الرفاه. لقد كان لذلك تأثير كبير على خطط الرعاية الصحية والتعليم في الغرب؛ قاد للكثير من الاضطرابات في المجتمعات الغربية”.


فالعديد من دول العالم، سواء منها المتقدمة أو النامية قد أصبحت في قبضة الشركات و وكلائها. ولم تعد للشعوب أي قيمة معنوية، بل أصبحت القدرة على الدفع هي ما يعطي قيمة للفرد. ومن لا يتوفر على المال يعيش على الهامش.

تغول الشركات العابرة للحدود

في ظل التحول الرقمي الذي بات يعرفه العالم في السنوات الأخيرة، ازدادت سطوة الشركات العابرة للحدود وتعمقت سلطة الدولة الشركة. وسيطرت على الكثير من القطاعات الحيوية؛ الطاقة، الغذاء والدواء، الاتصال، والذكاء الاصطناعي. وبفعل تشابك العلاقات بين الشركات الكبرى والمؤسسات الدولية. بشكل خاص الأمم المتحدة التي ابتكرتها الأوليغارشية، [و] هي شراكة بين القطاعين العام والخاص، حيث تُختزل الحكومات الوطنية إلى مجرد شركاء مُيسِّرين، مهمتهم تمكين الشركات متعددة الجنسيات من الحصول على ما تريد. بالإضافة إلى المنتدى الاقتصادي العالمي الذي يضع خارطة الطريق أمام الشركات التي تموله. وفي ما يتعلق بالتطور الذي يعرفه عالم التقنية، فقد قال كلوس شواب في كتابه الثورة الصناعية الرابعة:.” نحن نقف على أعتاب ثورة تكنولوجية ستغير جذريا الطريقة التي نعيش بها ونعمل ونتفاعل بها مع بعضنا البعض”.


فالتطور التقني المتسارع يزيد من تركيز السلطة المالية والاقتصادية في يد عدد قليل من الشركات العالمية الكبرى. وبالتالي تحكمها في دواليب السلطة ومراكز القرار. كما أن الصراع القائم الآن بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية يوحي بتشكل عالم جديد متعدد الأقطاب سيعزز مكانة الشركات متعددة الجنسيات ومن ثم زيادة سلطة الدولة الشركة، التي ستتقوى مكانتها من خلال نظام التكنوقراطية الذي سيسخر التقنيات المتطورة بما فيها الذكاء الاصطناعي لوضع أسس نظام سياسي و اقتصادي عالمي بأقطاب متعددة. لكن الكلمة الفيصل ستكون للشركات العابرة للقارات. لأن التكنوقراطية تسعى لإزاحة الإنسان و تعويضه بالذكاء الاصطناعي. و طبقا للمؤرخ يوفال نوح هراري: “يمكن للشركات التي تعمل بالآلات أن تمتلك الأصول، وتوظف الموظفين، وتشارك في التجارة الدولية، وتقاضيك في المحكمة، بل وتتبرع للحملات السياسية… كل ذلك دون أي تدخل أو مسؤولية بشرية”.

علاقة التقنية بالدولة الشركة


و ما دامت الصين قد قطعت أشواطا في التقنيات وكل ما يخص الأنظمة الذكية، فإنها ستكون النموذج الأمثل لخدمة أرباب المال والشركات الكبرى، التي تسعى جاهدة لنقل العالم نحو نموذج جهوي عالمي متعدد الأقطاب. وستكون مجموعة البريكس BRICS أفضل من يخدم “التعددية القطبية” من خلال التمسك بـ”مقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة بكاملها”. والهدف الأساسي من ميثاق الأمم المتحدة هو تركيز السلطة السياسية العالمية، في المقام الأول، في يد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، على جميع الدول القومية.

وعلى غرار حكومات الولايات المتحدة وإسرائيل والمملكة المتحدة، ومثل جميع الدول الأعضاء الأخرى في الاتحاد الأوروبي ودول الكومنولث، تتفق حكومات دول البريكس على أن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات هي المحرك الرئيسي للنمو الاجتماعي والاقتصادي. لذا، يجب أن يتسارع التحول الرقمي العالمي. ولا شك أن المنتدى الاقتصادي العالمي وشركاؤه، كالأمم المتحدة، يشعرون بسعادة غامرة لتأييد دول البريكس الحماسي للثورة الصناعية الرابعة.


إذن، في ظل هذا التحول العالمي، يجب على دول الجنوب أن تعمل جاهدة من أجل الحفاظ على دولها الوطنية رغم ما يواجه ذلك من صعوبات خاصة ما يرتبط بالديون و تبعيتها الاقتصادية لدول الشمال، التي ستسعى جاهدة، بدعم من الشركات العالمية الكبرى، لترسيخ نموذج الدولة الشركة على دول الجنوب لكي تستطيع نخبة المال مواصلة الهيمنة الرأسمالية الإمبريالية الغربية وكل ما يتعلق بالرأسمالية الرقمية وأجندة ما بعد الإنسانية.

وما دام جوهر الصراع خلال القرن الحالي قائم على المعلومات و التقنيات، فإن الحرب بين الغرب -بقيادة أمريكا- و الصين ستتخذ أوجها متعددة، طاقية تارة و تقنية تارة أخرى. ومهما حاول الطرفان تفادي الوجه العسكري، فإن التقدم التاريخي يفرض منطق الحرب لكي تسود قوة على حساب أخرى.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • Rating